العيني
33
عمدة القاري
وجع اشتد بي ، وله في الهجرة : من وجع أشفيت منه على الموت . واتفق أصحاب الزهري على أن ذلك كان في حجة الوداع إلاَّ ابن عيينة ، قال : في فتح مكة ، أخرجه الترمذي وغيره من طريقه واتفق الحفاظ على أنه وهم فيه ، وقد أخرجه البخاري في الفرائض من طريقه ، فقال : ( بمكة ) ، ولم يذكر الفتح ، ويؤيد كلام ابن عيينة ما رواه أحمد والبزار والطبراني والبخاري في ( التاريخ ) وابن سعد من حديث عمرو بن القاري : أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قدم فخلف سعداً مريضاً حيث خرج إلى حنين ، فلما قدم من الجعرانة معتمراً دخل عليه وهو مغلوب ، فقال : يا رسول الله ! إن لي مالاً وإني أورث كلالة ، أفأوصي بما لي . . . الحديث ، وفيه : قلت : يا رسول الله ! أميّت أنا بالدار التي خرجت منها مهاجراً ؟ قال : إني لأرجو أن يرفعك الله حتى ينتفع بك أقوام . . . الحديث . فإن قلت : بين الروايتين فيهما ما فيه ؟ قلت : يمكن التوفيق بينهما بأن يكون ذلك وقع مرتين : مرة عام الفتح ، ومرة عام حجة الوداع ففي الأولى : لم يكن له وارث من الأولاد أصلاً . وفي الثانية : كانت له بنت فقط . قوله : ( وهو يكره أن يموت بالأرض التي هاجر منها ) ، قال الكرماني : وهو يكره ، أي : رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وهو كلام سعد يحكي كلام رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، أو هو كلام عام يحكي حال ولده ، وقال بعضهم : قوله : ( وهو يكره أن يموت بالأرض التي هاجر منها ) ، يحتمل أن تكون الجملة حالاً من المفعول وهو سعد ففيه التفات ، لأن السياق يقتضي أن يقول : وأنا أكره . . . انتهى . قلت : هذا لا يخلو من التعسف ، والظاهر من التركيب أن الجملة حال من النبي ، صلى الله عليه وسلم ، والضمير في : يكره ، يرجع إليه ، والذي في : يموت ، يرجع إلى سعد ، ولا يلزم من ذلك أن لا يكون سعد كارهاً أيضاً ، لأن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، إذا كان كارهاً لذلك فكراهة سعد بالطريق الأولى ، ودل على كراهته ما رواه مسلم من طريق حميد بن عبد الرحمن عن ثلاثة من ولد سعد عن سعد ، بلفظ : ( فقال : يا رسول الله ! خشيت أن أموت بالأرض التي هاجرت منها ، كما مات سعد بن خولة ) . قوله : ( قال : يرحم الله ابن عفراء ) ، كذا وقع في هذه الرواية ، وفي رواية أحمد والنسائي من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان ، فقال النبي ، صلى الله عليه وسلم : ( يرحم الله سعد بن عفراء ، ثلاث مرات ) . قال الداودي : قوله : ( ابن عفراء ) غير محفوظ ، وقال الحافظ الدمياطي : هو وهم ، والمعروف : ابن خولة . قال : ولعل الوهم من سعد بن إبراهيم ، فإن الزهري أحفظ منه . وقال فيه : سعد ابن خولة ، يشير بذلك إلى ما وقع في رواية النسائي من طريق جرير بن يزيد عن عامر بن سعد : لكن البائس سعد بن خولة مات في الأرض التي هاجر منها . قلت : البائس اسم من بئس يبأس بؤساً وبأساً : إذا خضع وافتقر واشتدت حاجته ، وقال التيمي : يحتمل أن يكون لأمه إسمان : خولة وعفراء ، وقال غيره : ويحتمل أن يكون أحدهما إسماً والآخر لقباً ، أو أحدهما اسم أمه والآخر اسم أبيه أو اسم جدة له ، وقيل في خولة : خوليّ ، بكسر اللام وتشديد الياء والواو ساكنة بلا خلاف ، وأغرب ابن التين فحكى عن القابسي فتحها ، ووقع في رواية ابن عيينة في الفرائض ، قال سفيان : وسعد بن خولة رجل من بني عامر بن لؤي ، وذكر ابن إسحاق : أنه كان حليفاً لهم ، وقيل : كان من الفرس الذين نزلوا اليمن . قوله : ( قلت : يا رسول الله ! أوصي بمالي كله ؟ ) وفي رواية عائشة بنت سعد عن أبيها في الطب : أفأتصدق بثلثي مالي ؟ وكذا وقع في رواية الزهري . فإن قلت : لفظ : أتصدق ، يحتمل التنجيز والتعليق بخلاف لفظ : أوصي . قلت : لما كان متحداً حمل لفظ : أتصدق ، على التعليق جمعاً بين الروايتين ، فإن قلت : ما وجه الاختلاف في السؤال ؟ قلت : كأنه سأل أولاً عن الكل ، ثم سأل عن الثلثين ، ثم سأل عن النصف ، ثم سأل عن الثلث ، وقد وقع مجموع ذلك في رواية الطبراني في ( الكبير ) من حديث عبيد الله بن عياض عن أبيه عن جده عمرو ابن عبد القاري : أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم دخل على سعد بن مالك يوم الفتح . . . الحديث ، وفيه : فقال سعد : يا رسول الله ! ( إن مالي كثير وإنني أورث كلالة ، أفأتصدق بمالي كله ؟ قال : لا . قال : أفأتصدق بثلثيه ؟ قال : لا . قال : أفأتصدق بشطره ؟ قال : لا . قال : أفأتصدق بثلثه ؟ قال : نعم ، وذلك كثير ) ، قوله : ( قلت فالشطر ) ، أي : النصف ، قال الكرماني : هو بالجر أو الرفع ؟ قلت : وجه الجر أن يكون معطوفاً على قوله : بمالي كله ، ووجه الرفع على تقدير حذف الرافع ، تقديره : أفيجوز الشطر ؟ ونسب إلى الزمخشري جواز النصب على تقدير : أعيَّن الشطرَ أو أسمي أو نحو ذلك . قوله : ( قلت : الثلث ؟ ) يجوز فيه الرفع والنصب ، وفي بعض النسخ : فالثلث ،